الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
136
أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )
وأمّا التمسك بالسيرة في مثل مكاتبة التجار والحال أنّ الكتاب قد يصل إلى الطرف الآخر والكاتب نائم ، ممنوع بالفرق بين الإنشاء بالكتابة والإنشاء اللفظي ، وكفى في الفرق بينهما التعارف في أحدهما دون الآخر ، وقد مرّ مرارا خروج ما لم يتعارف من العقود بين العقلاء عن العمومات والاطلاقات . المقام العاشر : اختلاف المتعاقدين اجتهادا أو تقليدا وهنا مسألة أخرى لها صلة بما مرّ من اختلاف المتعاقدين من شروط العقد ، وهي أنّه قد يكون كلاهما واجدين للشرائط المعتبرة في المتعاقدين ، كل واحد بحسب اجتهاد أو تقليده ولكنه لا يتوافق بحسب اجتهاد الآخر أو تقليده بالنسبة إلى شروط العقد أو العوضين أو الشروط ، والأمثلة هنا كثيرة ، فمن جهة شروط المتعاقدين مثلا قد يكون البائع بالغا في نظره وبحسب تكليفه ، وليس بالغا في نظر المشتري لاختلافهما في السنّ المعتبر في البلوغ اجتهادا وتقليدا . وقد يكون الاختلاف من جهة شرائط العقد ، فقد يصحح البالغ مثلا العقد بالفارسية ولا يصححه المشتري . أو من جهة العوضين ، فقد يكون شيء موزونا في نظر البائع مثلا دون المشتري ، أو من جهة الشروط ، فقد لا يرى البائع الشرط الفلاني مخالفا لمقتضى العقد ويراه المشتري كذلك ، وهكذا أشباهه ، وهذه مسألة سيالة لا تختص بباب العقود والمعاملات بل تجري في العبادات والشهادات والقضاء وغيرها ، مثلا قد يختلف رأي الإمام والمأموم في مسائل الصلاة أو شرائط الجماعة ، فتكون صلاة الإمام غير صحيحة بنظر المأموم ، كمن صلى في اللباس المشكوك أو صلّى بغير أذان ولا إقامة أو اكتفى في التسبيحات بمرّة واحدة ، بينما لا يرى المأموم صحة هذه الصلاة بحسب فتواه أو فتوى مقلّده . وأمثلته كثيرة كذلك في أبواب الشهادة وشرائطها وكيفية أدائها ، وفي باب الوقف وشرائط تملك الأشياء بعد ما أراد وقف هذا الملك ، أو هبته أو وصيته لغيره ، وكذا في أبواب الطهارات ، فقد لا يرى شخص نجاسة أهل الكتاب ولا يجتنب عنهم ويعاشر غيره